تشهد العديد من الإدارات والمؤسسات العمومية في الجزائر ممارسات إدارية أثارت استياءً واسعًا في أوساط الموظفين والعمال، تتعلق بكيفية التعامل مع حالات الغياب الجزئي عن العمل. فبدل تطبيق القوانين والتنظيمات المعمول بها، تلجأ بعض الإدارات إلى خصم أجر يوم كامل من راتب الموظف حتى وإن كان غيابه لا يتجاوز ساعة واحدة فقط، وهو ما يعتبره كثيرون إجراءً غير قانوني ويتعارض مع التعليمات الصادرة عن مصالح الوظيفة العمومية.
وتنص تعليمة الوظيفة العمومية بوضوح على أن الخصم من راتب الموظف يجب أن يكون متناسبًا مع مدة الغياب الفعلية، أي أن الموظف الذي يغيب ساعة واحدة يخصم من أجره ما يعادل ساعة فقط، وليس يومًا كاملاً. ويندرج هذا الإجراء في إطار احترام مبدأ العدالة في تسيير الموارد البشرية داخل الإدارات العمومية، بما يضمن حقوق الموظفين ويمنع أي تعسف في تطبيق العقوبات الإدارية أو المالية.
غير أن الواقع الميداني يكشف عن استمرار بعض الإدارات في اعتماد أسلوب الخصم الكامل لليوم، حتى في حالات الغياب القصير، وهو ما يطرح عدة تساؤلات حول مدى التزام هذه الجهات بالتشريعات والتنظيمات السارية. ويؤكد عدد من الموظفين أن هذا الإجراء لا يراعي الفوارق بين الغياب الطويل والغياب القصير، ما يجعله عقوبة مبالغًا فيها تمس بالقدرة الشرائية للعمال وتؤثر على مناخ العمل داخل المؤسسات.
ويرى مختصون في الشأن الإداري أن مثل هذه الممارسات قد تنتج أحيانًا عن سوء فهم للنصوص القانونية أو عن غياب التكوين الإداري الكافي لدى بعض المسؤولين المكلفين بتسيير الموارد البشرية. كما قد يكون السبب في بعض الحالات هو محاولة فرض نوع من الانضباط الصارم داخل المؤسسة، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب احترام النصوص القانونية التي تنظم علاقة العمل في القطاع العمومي.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء القانون الإداري أن تطبيق التعليمات الصادرة عن المديرية العامة للوظيفة العمومية يبقى أمرًا ملزمًا لكل الإدارات والمؤسسات العمومية، وأن أي إجراء يخالف هذه التعليمات يمكن الطعن فيه إداريًا، بل وقد يعرض الجهة التي اتخذته للمساءلة القانونية إذا ثبت أنه يمس بحقوق الموظفين.
كما يشدد المختصون على أهمية توعية الموظفين بحقوقهم وواجباتهم في الوقت نفسه، فكما أن الإدارة مطالبة باحترام القوانين وعدم تطبيق عقوبات غير منصوص عليها، فإن الموظف بدوره مطالب بالالتزام بالحضور والانضباط المهني واحترام أوقات العمل.
إن ضمان التوازن بين الانضباط الإداري وحماية حقوق العمال يعد من الركائز الأساسية لحسن سير المرافق العمومية. ولذلك يبقى من الضروري أن تعمل الجهات الوصية على متابعة مثل هذه الممارسات وتصحيحها عند الحاجة، مع تعميم التعليمات التنظيمية بوضوح على مختلف الإدارات، تفاديًا لأي تأويلات خاطئة قد تؤدي إلى الإضرار بالموظفين.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يصبح احترام القوانين المنظمة لعلاقات العمل أكثر أهمية من أي وقت مضى، باعتباره الضامن الحقيقي لتحقيق العدالة داخل المؤسسات وتعزيز الثقة بين الإدارة والموظفين، بما ينعكس إيجابًا على الأداء العام للمرفق العمومي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
